أحمد بن محمد المقري التلمساني

60

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وها أنا خارج منها سليبا * أقلّب نادما كلتا يديّا وأبكي ثم أعلم أنّ مبكا * ي لا يجدي فأمسح مقلتيّا ولم أجزع لهول الموت لكن * بكيت لقلّة الباكي عليّا وأنّ الدهر لم يعلم مكاني * ولا عرفت بنوه ما لديّا زمان سوف أنشر فيه نشرا * إذا أنا بالحمام طويت طيّا « 1 » أسرّ بأنني سأعيش ميتا * به ويسوءني أن متّ حيّا وقال الزاهد العارف بالله سيدي أبو العباس بن العريف « 2 » نفعنا اللّه تعالى به : [ البسيط ] سلوا عن الشوق من أهوى فإنّهم * أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي فمن رسولي إلى قلبي ليسألهم * عن مشكل من سؤال الصّبّ ملتبس حلّوا فؤادي فما يندى ، ولو وطئوا * صخرا لجاد بماء منه منبجس وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم * فكيف قرّوا على أذكى من القبس « 3 » لأنهضنّ إلى حشري بحبّهم * لا بارك اللّه فيمن خانهم ونسي قلت : وقد زرت قبره المعظم بمراكش سنة عشر وألف ، وهو ممّن يتبرّك به في تلك الديار ، ويستسقى به الغيث ، وهو من أهل المرية ، وأحضره السلطان إلى مراكش فمات بها ، وله كرامات شهيرة ومقامات كبيرة ، نفعنا اللّه تعالى به ! . [ مذهب الأندلسيين ] واعلم أنّ أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي ، وأهل الشام منذ أول الفتح ، ففي دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل - وهو ثالث الولاة بالأندلس من الأمويين - انتقلت الفتوى إلى رأي مالك بن أنس وأهل المدينة ، فانتشر علم مالك ورأيه بقرطبة والأندلس جميعا ، بل والمغرب ، وذلك برأي الحكم واختياره ، واختلفوا في السبب المقتضي لذلك ، فذهب الجمهور إلى أن سببه رحلة علماء الأندلس إلى المدينة ، فلما رجعوا إلى الأندلس وصفوا فضل مالك وسعة علمه ، وجلالة قدره ، فأعظموه كما قدّمنا ذلك ، وقيل : إن الإمام مالكا سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس ، فوصف له سيرته ، فأعجبت مالكا لكون سيرة بني العباس في ذلك الوقت لم تكن بمرضية ، وكابد لما صنع أبو جعفر المنصور

--> ( 1 ) الحمام : الموت . ( 2 ) انظر في ترجمته وفيات الأعيان ج 1 ص 151 . ( 3 ) القبس : النار .